الخطيب الشربيني
436
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
الرؤية مع التقوية على الدهش والضعف لعظيم الأمر وبالتأهيل لهذا المقام الأكرم مع قصورهم عنه . روى جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب عز وجل قد أشرف عليهم من فوقهم فقال : السلام عليكم يا أهل الجنة فينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم فيبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم » « 1 » ، وقيل : تسلم عليهم الملائكة من ربهم لقوله تعالى وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ ( 23 ) سَلامٌ عَلَيْكُمْ [ الرعد : 23 - 24 ] أي : يقولون : سلام عليكم يا أهل الجنة من ربكم الرحيم وقيل : يعطيهم السلامة الأبدية . ولما ذكر ما للمؤمنين من النعيم ذكر ما للكافرين من الجحيم بقوله تعالى : وَامْتازُوا أي : ويقال للمجرمين امتازوا أي : انفردوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ عن المؤمنين عند اختلاطهم بهم قال الضحاك : لكل كافر في النار بيت يدخل ذلك البيت فيردم بابه بالنار فيكون فيه أبد الآبدين لا يرى ولا يرى ، وقيل : إن قوله تعالى وَامْتازُوا أمر تكوين فحين يقول امْتازُوا الْيَوْمَ فيميزون بسيماهم ويظهر على جباههم وفي وجوههم سواد كما قال تعالى يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ [ الرحمن : 41 ] . ولما أمروا بالامتياز وشخصت منهم الأبصار وكلحت الوجوه وتنكست الرؤوس قال تعالى موبخا لهم : أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ أي : أوصيكم إيصاء عظيما بما نصبت من الأدلة ومنحت من العقول وبعثت من الرسل عليهم الصلاة والسلام وأنزلت من الكتب في بيان الطريق الموصل إلى النجاة . ولما كان المقصود بهذا الخطاب تقريعهم وتبكيتهم وكانت هذه السورة قلبا وكان القلب أشرف الأعضاء وكان الإنسان أشرف الموجودات خصه بالخطاب بقوله تعالى : يا بَنِي آدَمَ أي : على لسان رسلي عليهم الصلاة والسلام ، واختلف في معنى : هذا العهد على وجوه أقواها : ألم أوص إليكم كما مر ، وقيل : آمركم ، وقيل : غير ذلك ، واختلفوا في هذا العهد أيضا على أوجه : أظهرها : أنه مع كل قوم على لسان رسلهم كما مر ، وقيل : هو العهد الذي كان مع آدم في قوله تعالى وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ [ طه : 115 ] وقيل : هو الذي كان مع ذريته عليه السّلام حين أخرجهم وقال أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [ الأعراف : 172 ] أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ أي : البعيد المحترق بطاعتكم فيما يوسوس به إليكم والطاعة قد تطلق على العبادة . ثم علل النهي عن عبادته بقوله تعالى : إِنَّهُ لَكُمْ والتأكيد ؛ لأن أفعالهم أفعال من يعتقد صداقته عَدُوٌّ مُبِينٌ أي : ظاهر العداوة جدا من جهة عداوته لأبيكم التي أخرجتكم من الجنة التي لا منزل أشرف منها ومن جهة أمركم بما ينغص الدنيا من التخالف والخصام ، ومن جهة تزيينه للفاني الذي لا يرغب فيه عاقل لو لم يكن فيه عيب غير فنائه فكيف إذا كان أكثره أكدارا وأدناسا ؟ فكيف إذا كان شاغلا عن الباقي ؟ فكيف إذا كان عائقا عن المولى ؟ فكيف إذا كان مغضبا له حاجبا
--> ( 1 ) أخرجه ابن ماجة في المقدمة حديث 184 ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين 9 / 649 ، والهيثمي في مجمع الزوائد 7 / 98 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 3032 .